ونحو هذا حوار ابني آدم عليه السلام: هابيل وقابيل، فقد قال تعالى مخبرًا عن قصتهما: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} (¬2).
فكلام هابيل المصدّر بالقول، ثم بأداة الحصر (إنما)، قد وقع جوابا لتهديد أخيه ووعيد بالقتل وهو: {لأَقْتُلَنَّكَ} الذي أكده بالقسم، أي والله لأقتلنك (¬3)، والنون المشددة منبئى عن الإصرار (¬4) والتصميم عليه. فأجاب هابيل بأسلوب القصر بـ (إنما) التي ((تأتي إثباتًا لما يذكر بعدها ونفيًا لما سواه)) (¬5)، أو للإخبار عن أمر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته. فيلمح فيها عندئذ دلالات التنبيه والتذكير (¬6)، والمبالغة في إثبات الأمر المخبر عنه.
وقد ورد جواب هابيل على سبيل الكناية (¬7) والتعريض (¬8) بأخيه بقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ}، فكأنه يقول له: لو كنت متقيًا لقبل منك. والمراد بذلك: يتقبل القربان على حذف المفعول (¬9).
¬__________
(¬1) تأويل مشكل القرآن / 226 - 227.
(¬2) سورة المائدة / 27 - 29.
(¬3) روح المعاني 6/ 112.
(¬4) في ظلال القرآن 2/ 876.
(¬5) دلائل الإعجاز / 312.
(¬6) نفسه /313 - 314.
(¬7) مسائل الرازي وأجوبتها / 69.
(¬8) في ظلال القرآن 2/ 876.
(¬9) روح المعاني 6/ 112.
