أدلى القوم برأيهم فأجابوها معتدِّين بقوتهم وبأسهم قائلين: {نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ}، وهو ((جواب بأسلوب المحاورة فلذلك فصل ولم يعطف كما هي طريقة المحاورات)) (¬3).
وقد صرحوا في جوابهم هذا أنهم {أُوْلُوا قُوَّةٍ}، ولفظ {أُوْلُوا} هو ((اسم للجمع والواحد ذو)) (¬4)، أي إنهم أصحاب قوة وشجاعة، وشدة في الحرب. ففي ((هذا الجواب تصريح بانهم مستعدون للحرب للدفاع عن ملكهم، وتعريض بانهم يميلون إلى الدفع بالقوة)) (¬5) حينما يكرههم النبي سليمان عليه السلام على الدخول تحت طاعته.
فهذا التعبير جواب المشورة التي طلبتها من خاصتها، غير أنهم تركوا لها الرأي الأخير، وفوضوا الأمر في ذلك إليها بقولهم: {فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}، أي تأمريننا به، فحذف المفعول ومتعلق الفعل (¬6) لدلالة السياق عليهما.
وقد تناوبت التعابير الجوابية بينها وبين قومها، إذ قالت مجيبة لهم على سبيل التعريض (¬7) والتحذير من مغبة الحرب: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ}.
فيلحظ أن جوابها المصدر بالقول ورد بأسلوب الخبر المؤكد ((بحرف التأكيد، للاهتمام بالخبر وتحقيقه. فقولها {إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا}، استدلال بشواهد التاريخ الماضي، ولهذا تكون (إِذَا) ظرفا للماضي بقرينة المقام ... وجملة {وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ} استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب، وهو كالنتيجة)) (¬8) لإخبارها المؤكد. أو بعبارة أخرى: إنها استدلت بأحداث الماضي وتجاربه، على ما سيقع ويكون في المستقبل. وهي جملة مؤكدة وردت بأسلوب التذييل (¬9).
ويلحظ في هذا الحوار تفاوت في الرتب من جهة الرئيس والمرؤوس وفيه تناوب في الجواب، فقد سألت وأجاب الملأ عن سؤالها بالتصريح وبالتعريض، ثم سُئِلَت هي فأجابت
¬__________
(¬1) مجمع البيان 7/ 220.
(¬2) روائع الإعجاز في القصص القرآني / 236.
(¬3) التحرير والتنوير 19/ 264.
(¬4) إعراب القرآن للنحاس 3/ 210.
(¬5) التحرير والتنوير 19/ 264 – 265.
(¬6) نفسه 19/ 265.
(¬7) مجمع البيان 7/ 220.
(¬8) التحرير والتنوير 19/ 266.
(¬9) التبيان في البيان / 307 – 308.
