وقد دلّ إيلاء حرف النفي (ما) الضمير (أنت) في قولهم: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} على ((أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: {أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنْ اللَّهِ}؟ ولو قيل: ما عززت علينا، لم يصح هذا الجواب)) (¬5). فقد أجابهم شعيب عليه السلام بأسلوب الاستفهام الإنكاري (¬6) للخبر الذي القوه عليه، ناسبين إليه عدم العزة، وأن هذا مقتصر عليه لا يتجاوزه إلى سائر رهطه. (¬7)
فما كان منه عليه السلام إلا أن ((يتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه، ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى القائمة في هذا الوجود، وبسوء الأدب مع الله)) (¬8)، لأن تهاونهم به – وهو نبي – يعد تهاونًا بالله سبحانه.
فحين عزّ رهطه عليهم من دونه عليه السلام، كان رهطه اعز عليهم من الله تعالى أيضًا (¬9). وفي هذا ما فيه من سوء فهمهم، لذا أجابهم بذلك التعبير وعطف عليه قوله التوبيخي (¬10): {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} (¬11)، و {ظِهْرِيًّا} استعارة (¬12)، أو كناية
عن النسيان (¬13)، أي ((جعلتموه وراء ظهوركم)) (¬14)، كالشيء المنبوذ الذي لا يعبأ به (¬15). وعلى ذلك فالتعبير كان ذا ((صورة حسيّة للترك والإعراض تزيد في شناعة فعلتهم)) (¬16)، وتزيد في تأنيبهم وتوبيخهم.
¬__________
(¬1) الفروق في اللغة / 274.
(¬2) الكشاف 2/ 289، وروح المعاني 12/ 123.
(¬3) الكشاف 2/ 289.
(¬4) تحرير التحبير 2/ 309.
(¬5) الكشاف 2/ 289، وينظر الإيضاح في علوم البلاغة / 38، والتبيان في البيان / 88، والمعاني في ضوء أساليب القرآن / 222، والآية /92 من سورة هود.
(¬6) التحرير والتنوير 12/ 151.
(¬7) مفتاح العلوم / 438، وروح المعاني 12/ 124.
(¬8) في ظلال القرآن 4/ 1922.
(¬9) مسائل الرازي وأجوبتها / 140، والبحر المحيط 5/ 256.
(¬10) معترك الأقران 2/ 161.
(¬11) سورة هود / 92.
(¬12) تلخيص البيان في مجازات القرآن / 166، والتحرير والتنوير 12/ 151.
(¬13) التحرير والتنوير 12/ 151.
(¬14) الجامع لأحكام القرآن 9/ 91.
(¬15) التفسير الكبير 18/ 51.
(¬16) في ظلال القرآن 4/ 1922.
