أمّا العلاقة بين الجواب والردّ، فإن كثيرًا من العلماء ولا سيمّا المفسرون، استعملوا مصطلح الردّ للدلالة على الجواب من غير تفريق بينهما. فاستعملوا لفظ (الجواب) تارة ولفظ (الرّدّ) تارة أخرى. ومنهم من قرن الرّدّ بالجواب إشعارًا منه بأن الجواب لم يكن مجردًا من نفي الموضوع المتعلق به وإنكاره، ففي تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} (¬3). ذكر الزمخشري (ت 538 هـ) أنه ((ردّ لمقالتهم)) (¬4) يعني مقالة اليهود: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} (¬5)، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها (¬6) وذكر الطبرسي في تفسير قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} (¬7)، و {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} (¬8) أنَّ كلامَ اللهِ هنا جاء ((جوابًا لليهود وردًّا عليهم)) (¬9).
ونلحظ الزركشي (ت 794 هـ) يقرن معنى الرد بأداة النفي (لا)، فيقول في كلامه على أحدِ وجوهِها: ((أن تكون جوابية، أي: ردُّ في الجواب، مناقض لـ (نَعَمْ) أو ... (بَلَى))) (¬10). ونبَّهَ في موضع آخر على مجيء الجملة الاسمية المنفية المقترن خبر (ما) فيها بالباء ردًّا وجوابًا، بقوله: وجاءت بالاسمية في الردِّ عليهم بقوله: {وَمَا هُمْ بمُؤْمِنِينَ} (¬11)؛ وعلَّلَهُ بأنه أبلغ من نفي الفعل، ولذلك أجيبوا بتعبيرٍ مؤكَّدٍ بالباء (¬12).
ويمكن القول: إن في الجواب والردِّ معنى الإرجاع؛ إذ الرد يعني الرجع والعود (¬13)، ويراد به الصرف عن الأمر والإرجاع لهُ بأن يكون على ما قيلَ أو فُعِلَ، والجواب قطع وإرجاع سلبًا كان أو إيجابًا. بأن يكون موافقًا لسؤاله أو مخالفًا له، وذلك حين يقتضي الجواب الإثبات أو
¬__________
(¬1) معاني القرآن للفراء 1/ 71 - 72، 141، إعراب القرآن للنحاس 2/ 394.
(¬2) المدارس النحوية شوقي ضيف /199 - 202.
(¬3) سورة البقرة /91.
(¬4) الكشاف للزمخشري 1/ 296.
(¬5) سورة البقرة /91.
(¬6) الكشاف 1/ 296.
(¬7) سورة آل عمران /73.
(¬8) سورة آل عمران /73.
(¬9) مجمع البيان 2/ 461.
(¬10) البرهان في علوم القرآن 4للزركشي /355.
(¬11) سورة البقرة /8.
(¬12) البرهان في علوم القرآن 4/ 70. وينظر 4/ 261، في حديثهِ عن موضعَي (بَلَى) بأن تكونَ ردًّا لنفيٍ، أو جوابًا لاستفهامٍ.
(¬13) التفسير البياني عائشة عبد الرحمن 1/ 107.
