استقتل، والشر قد استحفل. وما يتأتى قلعه إلا لمن يتأنى، وبالصبر يدرك الأريب ما يتمنى. وهم بالمصابرة مصابون، ونحن على المثابرة مثابون. وهؤلاء لا يتمكن منهم إلا بالجمع الجم، والسيل لا يغلبه غير الخضم. والصواب أن نصابرهم هذه الشتوة، ونستجد لنا ولخيلنا القوة. ونتأخر عن هذه المنزلة، لتحصيل هذه المصلحة المؤملة، ونوكل بهم مناوبة من يمنعهم من الخروج. وإذا انقضى البرد نرجع إلى معالجة هؤلاء العلوج. ونعيد السريجيات إلى سلها والسلاهب إلى السروج. والصواب الأخذ بالاحتياط ونقيم الكتب والرسل إلى الأطراف والأوساط. ومكاتبة دار السلام، وأعلام الإمام - عليه أفضل السلام - بما دفع إليه الإسلام بالشام. فإن المسلمين لا شك بنجدون، ويقومون بالنصرة ولا يقعدون. ولا يترك استنفار التركمان، وترغيبهم بالبر والإحسان. واستدعاؤهم بالعطايا، والتشريفات السنايا. وينفذ إلى بلاد الشام القاصية والدانية في تحريك الهمم والعزائم الوانية. إلى أن تملئ بالجموع ساح الساحل، وتغلى بنار الحميات بها مراجل الراجل.
فحينئذ ينتهي أمد المصابرة، ونصمم على المكابرة مع المكاثرة. ونباديهم ونفاتحهم قبل انفتاح البحر، ونغاديهم ونراوحهم على اقتراح القهر. وننسفهم ولو أنهم جبال، وننزفهم ولو أنهم بحار، ونعدمهم حتى لا يطرق جفن بلد منهم خيال. ولا يلم بجفن طارق لهم غرار.
وما زلنا في مشاورة ومحاورة؛ ومجاذبة ومجاوبة، ومناظرة ومساورة؛ حتى تنخل الرأي وتمخض، وخالوا أنه تبين الصواب وتمحض. ومالوا إلى الدعة؛ والخروج من الضيق إلى السعة. ومن نزال الحرب إلى المنزل الرحب. ومن المعترك المعتكر إلى المبرك المبتكر.
فلم تعجبني هذه الحالة، ولم توافقني هذه المقالة. وقلت: لعمري أتيتم بمصلحة، ولكنها غير مترجحة. فإن الفرنج إلى الآن لم يتمكنوا من الحصار، ولم يحدقوا
بجميع الأسوار. فإذا رحلنا وتنحينا عنهم أرخينا خناقهم، وأطلنا إلى مرادهم أعناقهم. وباب عكاء من
