وقد استمرت الحال إلى الآن على الهدنة، وهم لا يؤمنون إذا أحسوا بالمكنة. فإن الغدر في طباعهم مركوز، والسوء في غزائرهم مغروز. والعبد آخذ بالحزم، عائذ بتأييد الله في العزم. متيقظ لمخوف غدرهم، متحفظ من مكر مكرهم. مستعد بكل أمكان، مستجد كل ما يفتقر إليه من نجدة وقوة بكل مكان. مستظهرا بما تأكد من مظاهرة المواقف المقدسة في أموره، مستبشر وج وجاهته منها بسفوره. ظاهر بقوته من أيدها وأياديها قوي بظهوره. مدل بما له من الموات الأكيدة، والسوابق الحميدة. والشوافع المقبولة، والذرائع الموصولة. موقن أن الرعاية تدركه، وأن العناية تملكه. وأن اختصاصه بفضيلة الماتة القديمة يجد له فضل الاختصاص، وأن فاتحة الحمد منه والإخلاص، تفتح له باب الاحماد والاستخلاص.
ولما قصر رجاءه على طوله بذلك الطول؛ وأنه يزداد بما يزدان به من الاصطفاء والاصطناع حسن الحلية وقوة النصرة والحول؛ عول على القاضي ضياء الدين
في المثول بالخدمة الشريفة وانهاء حاله، والانتهاء إلى مناجح آماله. والسفارة فيما يسفر عن صبح المراشد، ونجح المقاصد، ونصح العقائد، وشرح الأحوال في المصادر والموارد. وأن برغته وقية بالابلاغ، ملية بإشباع القول؛ في اعتفاء الطول الملي بالإسباغ. وقد فاوضه فيما فوضه إليه، واعتمد في استنجازه واستنجاحه عليه. لا زالت أيادي الدار العزيزة دارة غزيرة، سارة أولياءها وبإحياء موات مواتها جديرة إن شاء الله تعالى.
ذكر مناقب السلطان رحمه الله
كان مشغوفا في سبيل الله بالإنفاق، موقوفا عزمه في الأعداء بإدناء الآجال، وفي الأولياء بإجراء الأرزاق. وما عقر في سبيل الله فرس أو جرح؛ إلا وعوض مالكه بمثله، وزاده من فضله. وحسب ما وهبه من الخيل العراب والاكاديش الجياد للحاضرين معه في صف الجهاد؛ مدة ثلاث سنين؛ مذ نزل الفرنج على عكاء في رجب سنة خمس وثمانين، إلى يوم انفصالهم بالسلم في شعبان سنة ثمان وثمانين، فكان تقديره أثني عشر ألف رأس من حصان وحجر، واكديش طمر. وذلك غير ما أطلقه من المال، في أثمان الخيل المصابة في القتال.
ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به،