فصل في كتاب المعنى
خرج الفرنج يوم الاثنين حادي عشر الشهر؛ واثقين من ملوكهم الحاضرين بالظهور وقوة الظهر. وفي مرج عكاء؛ عين غزيرة الماء. يجرى منها نهر كبير
إلى البحر، فخرجوا إلى شرقي النهر. وباتوا بالقرب من مخيمهم على البلد، وقد تخلف حصره ألوف من أهل الجلد.
ثم أصبحوا يوم الثلاثاء والنهر عن يمينهم، والأسد سائرة بالأسل في عرينهم، والحمية مشتعلة في عيونهم وعرانينهم. ونزلوا رأس العين، وتطرق بها إليهم من عساكرنا المنصورة طارق الحين. ولما أصبحوا وجدوها بهم محدقة، وبنيران النصال والمناصل لهم محرقة. وكنا نقول انهم يتحركون للمصاف والأمر بالخلاف، وانهم لسهام المنون من الأهداف، وما دارت بهم إلا الجاليشية تجول وتصول، وتصيب وتصوب، وتطيل وتطول.
وكانت الاطلاب واقفة تنتظر حملاتها، وتستعد لوثباتها وثباتها. فلما أبصر الفرنج ما حل بهم من العذاب؛ عدوا الغنيمة في الإياب، وشرعوا في طريق الذهاب. فعادوا من غربي النهر راجعين؛ وساروا صوب خيامهم مسارعين. وأصحابنا زراءهم يرمونهم، ويشوونهم ويصمونهم. وقتل منهم خلق، وسرى في حجب حياتهم خرق. ونزلوا تلك الليلة على الجسر وقطعوه، وباتوا خائفين هائبين، ورحلوا سحرا خاسئين خائبين. وخيولهم الناجية مجرحة، وقلوبهم الراجفة مقرحة، وأشلاؤهم من كسرة الحياة عارية وبالعراء مطرحة. وعرفوا أن حركتهم للهلكة، وأن هلكتهم في الحركة. وأقاموا على الضر والزاد معدوم، والبلاء لكل منهم منفرد وعليهم مقسوم. ولا طعم لهم إلا من لحوم الخيل، وهم يدعون بالثبور والويل. ومع كثرتهم قلوا عناءا، وضلوا رجاء، وذلوا بلاء، واعتلوا جدبا وغلاءا.
ولما عاد الفرنج إلى خيامهم؛ خافقين من مراميهم؛ مخفقين من مرامهم، وابصر المقيمون بها أصحابنا وراءهم؛ يطلبون ارداءهم؛ متعطشين إلى دمائهم، يرمون إرواءهم؛
