وركبوا اسلاهبهم، وجنبوا جنائبهم. وجروا على الساحل سيولا، وجروا بالذوابل ذيولا. وطارابليس طرابلس بخوافي لخوف، ودام الجوى في رعب أهلها بدم الجوف. وما سار إلا من خف في نهضته، ونهض بخفته. وأحس حصن الأكراد بالأكدار، وصفت على صافيثا بوارق البوار. وقطع عرق (عرقا) وعقرت، وتعرمت (العريمة) وتعرقت، ومزعت تلك الاعمال ومزقت، وارهقت وأزهقت. ونفرت انفارها، وبقرت ابقارها، وملئت بالدوائر ديارها. وسيقت مواشيها، وحشيت بالنيران أوساطها وحواشيها.
ونزل السلطان على حصن يحمور فما قدروا يحمونه، وابتذل مصونة، واستخرج مكنونه. وفتحه ومتحه، ومساه بالدمار وصبحه. وأقام في تلك الديار عشرة أيام يجوسها ويدوسها، وقد حيزت له نفائسها ونفوسها. ثم رحل إلى مخيمه، وعاد العسكر مسرورا منصورا محبورا موفورا، قد اطلع من تلك البلاد على العورات، واضطلع بالغنائم من تلك الغارات، ونكأمنها في الأعمار والعمارات.
وانقضى شهر ربيع الآخر، وذلك المرج يموج بالعساكر موج البحر الزاخر. وقد وصل قاضي جبله يحث على قصدها، ويحض على إنجاز وعدها، ويحرض على إعذاب وردها، ويحقق أن الظفر في هذه السنة يبتدئ من عندها.
ويقول إن الاشتغال بطرابلس مع احترازها واحتراسها؛ وكثرة ناسها؛ وتدرعها بلباس باسها؛ واستعدادها للحصار، وتجنبها عن الاصحار؛ يذهب الزمان، ويفوت الإمكان. وهذه جبلة وما وراءها من المعاقل، قنيصة للحابل، وفرصة للمتناول، ولهنة للآكل، ونغية للناهل وأمنية للعاقل. فما دونها مانع، ولا عنها مدافع. وهي على غرتها وغرورها وغفلتها وفتورها؛ لم بفترع عذرة أمنها ذعر، ولم يفثأ سورة نفعها ضر، ولم يقر باب يسرها عسر. فإن سلكنا سبيلها، ملكنا سلسبيلها. وأن جزنا ساحتها، حزنا راحتها. وأن استقدنا ملكها ملكنا قيادها، وأن اعتدنا
حواءها حوينا عتادها. وأن افتتحنا بها فتحناها. والمسلمون بجبلة مجبولون على التسليم مؤملون أن يتبدل شقاؤهم منكم بالنعيم فعرفناه بصحة نصحه، ورفعناه بحجة نجحه.
وأصغى السلطان إلى قوله،
